الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
300
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
أولًا : أن لكل ظهور في العالم أصلًا إلهياً ، والأصل الإلهي القائل : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ « 1 » يستدعي التغير والتبدل والتحول المستمر في صور الكائنات . كما أن الأصل الإلهي الثاني : الوسع الإلهي ، يقتضي أن لا يتكرر تجل أصلًا ، فكل تحول يحدث نتيجة الأصل الأول يؤدي إلى ( مثل ) نتيجة الأصل الثاني . وثمة أصل ثالث إلهي يقول : إن الله خالق على الدوام ، وهذا يستدعي مضافاً إلى الأصلين السابقين : دوام ، تحول صور الكائنات إلى أمثالها . ثانياً : أما من ناحية الممكنات فقد ساعدت صفاتها الخاصة على تحقق الأصول الثلاثة المتقدمة وتتلخص هذه الصفات ب - : أ . إن الممكنات والأعيان الثابتة لا تزال في العدم ما شمّت رائحة الوجود ، ودوام ظهورها في الحس يقتضي دوام إيجادها في كل لحظة ؛ لأنها فانية معدومة دائماً . ب . إن الممكنات لها الافتقار الذاتي ، فلو استمرت زمنين لاتصفت بالغنى عن الخالق ، وذلك ينافي التفرقة التي شدد عليها ابن عربي بين الصفات الذاتية للحق وللخلق ، فالخلق له دوام الافتقار إلى الإيجاد والظهور . ثالثاً : إن التفرقة بين الحق والخلق هي تفرقة اعتبارية محضة ، فالوجود واحد هو الحق الذي يتجلى في كل لحظة فيما لا يحصى عدده من الصور . إذن : إن الخلق في تغير دائم مستمر أو هو على الدوام في خلق جديد ، بمعنى أن التجلي الإلهي الدائم لم يزل ولا يزال ، ظاهراً في كل آن في صور الكائنات ، وهذا الظهور مع كثرته ودوامه لا يتكرر أبداً ، فالمخلوقات في كل لحظة تفنى أي تذهب صورتها لتظهر مثليتها في اللحظة التالية ، ويجب ألا نقول بوجود فاصل أو انفصال زمني ، بل زمان ذهاب الصورة هو عين زمان وجودها الجديد ، وهذا الخلق الجديد يلتبس على غالبية المخلوقات فيظنون المثل الظاهر في اللحظة الثانية هو عين الأول ، ولا يخلص من هذا اللبس إلا أهل الكشف » « 2 » .
--> ( 1 ) - الرحمن : 29 . ( 2 ) - د . سعاد الحكيم المعجم الصوفي ص 430 429 .